السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
167
مفاتيح الأصول
بالشّهرة وبالجملة كلّ خبر يكون حجة ويكون أخصّ من الكتاب يجوز التخصيص به والظاهر أنّه لا قائل بالفصل الثّالث يجوز ارتكاب كل تأويل في ظاهر الكتاب بخبر الواحد إذا كان أقوى منه دلالة فيجوز التجوز والإضمار فيه بخبر الواحد الذي هو أقوى دلالة منه ويلزم القائلين بعدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد عدم جواز ذلك كما لا يخفى ولكني لم أجد أحدا تعرض لهذه المسألة وبالجملة إذا وقع التعارض بين ظاهر الكتاب وخبر الواحد فإن تساويا في الدلالة فلا إشكال في تقديم ظاهر الكتاب لقطعية سنده وكذلك لو كان الكتاب أقوى دلالة فيجوز تخصيص عام خبر الواحد بخاص الكتاب وارتكاب التّأويل في الخبر وإن كان الخبر أقوى دلالة فاللازم على المختار ارتكاب التأويل في ظاهر الكتاب ويلزم من خالفنا ترجيح ظاهر الكتاب إمّا مطلقا أو في الجملة أو التوقف الرّابع لا فرق في عام الكتاب الذي يجوز تخصيصه بخبر الواحد بين أن يكون في أعلى مرتبة العموم نحو قوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا وبين أن يكون في أدنى مرتبة ولم أجد قائلا بالتفصيل هنا ولو فرض وجود مفصل فلا إشكال في ضعفه كما لا يخفى الخامس لا فرق في جواز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد بين أن يكون عمومه حاصلا من جهة الوضع كلفظ كلّ ومتى وبين أن يكون عمومه حاصلا من جهة الإطلاق كقوله تعالى أحلّ اللَّه البيع ولم أجد أحدا فصل هنا بين الأمرين السّادس يجوز تخصيص عام السنة المتواترة بخبر الواحد الذي يكون حجة مطلقا ويلزم على مخالفينا في جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد عدم جواز ذلك إن كان مستندهم الأمور الاعتبارية وأما إذا كان مستندهم الأخبار الآمرة بطرح ما خالف الكتاب لا غير فلا كما لا يخفى وقد جعل جماعة من الأصوليين كالمحقق في المعارج والبيضاوي في المنهاج والعبري في شرحه جواز تخصيص عام السنّة المتواترة بخبر الواحد من محلّ النزاع أيضا ولكن في غاية السّئول اعلم أن الإمام وصاحب الحاصل وابن الحاجب وغيرهم إنما حكوا هذه المذاهب في تخصيص الكتاب بخبر الواحد ولم يحكوها في تخصيص السّنة المتواترة به فهل ما ذكره المصنف قياسا أم نقلا فلينظر انتهى مفتاح المشهور بين الأصوليّين أن مذهب الراوي لا يخصص العموم مطلقا لوجود المقتضي للعموم وهو ما وضع له وعدول الرّاوي يجوز أن يكون عن أمارة أو نظر فاسد لا يقال لو لم يعلم بالمخصص من شاهد الحال لبين وجه العدول دفعا للتّهمة لأنا نقول لا نسلَّم وجوب إظهار الوجه إلَّا عند المطالبة فلعلَّها لم تحصل سلمنا حصولها لكن لم ينقل لأن نقله ليس بواجب على السّامع فاندفع بما ذكر قول الحنفية والحنابلة بالتخصيص مفتاح إذا ورد عام من الشّرع معلَّق عليه حكم نحو أكرم وثبت انتفاء ذلك الحكم عن بعض أفراده في وقت وشك في انتفائه عنه بعد ذلك كما إذا أورد أكرم العلماء وعلم أن زيدا العالم لا يجب إكرامه في الظَّهر وشك في وجوب إكرامه بعده فهل الأصل عدم ثبوت ذلك الحكم بعد ذلك الوقت كما هو ظاهر المحقق الثاني ووالدي العلامة أو الأصل ثبوته بعده فيه إشكال من استصحاب بقاء ما ثبت في الظَّهر مثلا فيترجح الأوّل ومن أن ذلك الخطاب كان دالا بإطلاقه أو عمومه على ثبوت ذلك الحكم لجميع الأفراد في جميع الأحوال خرج حالة بالنسبة إلى فرد فيبقى غيرها مندرجا تحت العموم فيترجّح الثّاني وهذا أولى لأن الاستصحاب لا يعارض دلالة اللَّفظ وقد يقال إن الحكم بعدم الثبوت في ذلك الوقت يمكن أن يكون باعتبار خروج أصل ذلك الفرد من عموم ذلك الخطاب بحيث يكون غير مندرج تحت أصله فيلزم التخصيص ويمكن أن يكون باعتبار خروج حالة من إطلاق الخطاب ويكون الفرد داخلا فيدور الأمر في ذلك الفرد بين التّقييد والتخصيص ولا ترجيح فيلزم الإجمال فيجب التمسّك بالاستصحاب وقد يدّعى ترجيح التّقييد لأن دلالة الإطلاق على العموم أضعف من دلالة اللَّفظ الموضوع له عليه وصرف التّوجيه إلى الأضعف أولى وأحرى فتدبر مفتاح إذا تعقّب العام كلام مجمل يحتمل أمرين أحدهما يوجب تخصيص العام والآخر لا يوجبه فهل يكون العام مجملا فلا يجوز التمسّك به أم لا بل يبقى على عمومه حتى يظهر التخصيص فيه إشكال والتحقيق أن يقال إن كان شرط العمل بالعام عدم المخصّص في نفس الأمر فلا يجوز العمل به حينئذ للشّك في حصول الشرط والشك في الشّرط يوجب الشّك في المشروط وإن كان شرطه عدم العلم بالمخصّص فيجوز العمل به لتحقق الشرط وعلى هذا التقدير فهل البقاء على العموم يصلح لأن يكون بيانا لذلك المجمل فيحكم بأن المراد منه الاحتمال الَّذي يوافق العام أو المجمل باق على إجماله وجهان رجّح بعض المحققين الأوّل لأن حمل العام على العموم يقتضي كون المراد بالمجمل المعنى الَّذي يوافقه إذ لو أريد غيره للزم التخصيص والمفروض البقاء على العموم والحق عندي الثاني لأن البقاء على العموم ليس من جهة العلم بأن المراد العام بل باعتبار أنّه إذا لم يظهر مخصّص فيجب العمل بظاهر العام تعبّدا وهذا لا يستلزم عدم التخصيص في نفس الأمر حتى يلزم منه حمل المجمل على ما يوافق العام إذ لا منافاة بين التخصيص في نفس الأمر ولزوم العمل بظاهر العام ما لم يظهر